ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )
645
المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر
إخلاصه وكان الرب ( تعالى ) قريبا منه برحمته وفضله وإحسانه فهناك حصلت الولاية ، وأما الدلائل العقلية على جواز الكرامات من الأولياء فمن وجوه . الحجة الأولى : أن العبد ولي اللّه بقوله ( تعالى ) : أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ « 1 » والرب وليّ العبد ، قال ( تعالى ) : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا وقال : إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وقال : ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وأيضا الرب حبيب العبد والعبد حبيب الرب ، قال ( تعالى ) : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ « 2 » وقال : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ « 3 » وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ « 4 » فإذا ثبت هذا فنقول : إذا بلغ العبد في طاعة ربه أن فعل كل ما أمره به وترك كل ما نهاه عنه ، فلا يبعد أن يفعل الرب الكريم مرة ما يريده العبد ، بل هذا أولى لأن العبد مع لؤمه وعجزه وضعفه كما فعل كل ما أراده وأمره به ، فلو أن يفعل الرب ما أراده العبد مرة كان أولى ، ولهذا قال ( تعالى ) : أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ « 5 » الحجة الثانية : أنه لو امتنع إظهار الكرامة لكان ذلك إما لأجل أن اللّه ليس أهلا لأن يفعل مثل هذا الفعل ، أو لأجل أن المؤمن ليس أهلا يعطيه اللّه هذه العطية فالأول قدح في قدره فهو كفر ، والثاني باطل لأن معرفة ذات اللّه وصفاته وأفعاله وأحكامه وأسمائه ومحبة اللّه وطاعته والمواظبة على ذلك وتقديسه وتمجيده وتهليله أشرف من اعطاء رغيف واحد في مفازة أو تسخير حية أو أسد وما أشبه ذلك ، فلما أعطاه المعرفة والمحبة والذكر والشكر من غير سؤال فلأن يعطيه رغيفا في مفازة فأي بعد فيه ؟ الحجة الثالثة : قال عليه السّلام حكاية عن ربّ العزة ( جلّ جلاله ) : ما تقرب عبد إليّ بمثل أداء ما افترضت عليه ، ولا يزال متقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ولسانا وقلبا ويدا ورجلا ، فبي يسمع ، وبي يبصر ، وبي ينطق ، وبي يمشي . وهذا الخبر يدل على أنه لم يبق في شيء منهم نصيب لغير اللّه ، وكذا في بصرهم وسائر أعضائهم إذ لو بقي هناك نصيب لغير اللّه لما قال اللّه ( تعالى ) : كنت سمعه وبصره ، وإذا ثبت هذا فنقول : لا شك أن هذا المقام أشرف من تسخير الحية والسبع
--> ( 1 ) - يونس : 62 . ( 2 ) - المائدة : 54 . ( 3 ) - البقرة : 222 . ( 4 ) - البقرة : 165 . ( 5 ) - البقرة : 40 .